خاص – مريم بيضون – ليبانون فوكس
في زمن تتبدل فيه القيم، ويغيب فيه اليقين كما يذوب الضباب على سفوح لبنان، يظل هناك من يُذكّرنا أن الأرض لا تُبنى إلا بالوفاء، وأن الوطن لا يُصان إلا بالمبادئ. حاج عمر، الرجل الذي حمل لبنان وفلسطين على قلبه، لم يغادر الواقع إلى الشعارات السهلة، بل ظل صادقًا مع نفسه ومع الناس، يواجه الحقيقة بلا خوف، ويعيد صياغة الذاكرة الوطنية لكل من ينسى.
يبدأ حديثه بنظرة حادة إلى الواقع اللبناني، يقول: “لبنان اليوم يمر بأصعب أيامه. السياسة فيه مشتتة، الشعب منقسم، والطائفية السياسية تعيش بيننا كما لو أنها وُلدت معه. كل طرف يفكر في مصالحه، كل حزب في موقعه، ونحن ننسى أن وطننا ليس ملك أحد، بل هو مسؤولية كل لبناني.”
ويضيف: “أما الخارج، فالأمر أعقد. نحن شعب صغير، عاجز عن المناورة الكاملة، لكنه قادر على أن يكون صامدًا. لبنان لم يكن يومًا لاعبًا على الساحة الدولية، لكنه كان شاهدًا على التاريخ، ودرسًا لمن يظن أن الدبلوماسية وحدها تستطيع حماية وطن بلا قوة حقيقية.”
حين تنتقل إليه أسئلة الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، تتغير نبرة صوته، تمتلئ بالحزم: “إسرائيل لم تتوقف يومًا عن انتهاك سيادتنا. كل اتفاقيات الأمم المتحدة، وكل القرارات، لم تُنفّذ على أرض الواقع. كيف يمكن أن نطلب من لبنان أن يكون بلا قوة دفاعية بينما العدو يخرق كل يوم الحدود؟ من يطالب بتسليم السلاح أو نزع المقاومة، فهو في الواقع يسعى لإضعاف لبنان، بل هو حليف غير معلن للعدو.”
يتحدث عن المقاومة ليس كسلاح فحسب، بل كروح وطنية: “المقاومة في لبنان ليست لعبة سياسية. هي ذاكرة الشعب، هي الذي يبقينا على قيد الكرامة. بيروت كانت مثالًا عندما واجهت الاحتلال عام 1982، ولم يكن هناك حزب أو تيار يهيمن على الفكرة، بل كانت المدينة كلها تنبض بالمقاومة، وكان الشعب هو البوصلة.”

ولم يغفل فلسطين، القضية المركزية التي ترافقه منذ شبابه: “فلسطين ليست مجرد أرض، ولا مجرد قضية سياسية. هي الحق الذي لا يُجزأ. كل تراجع عن فلسطين هو تراجع عن لبنان نفسه، لأن الشعب الذي ينسى فلسطين ينسى ذاته. الاعترافات الدولية، كما يقول، جيدة من الناحية الرمزية، لكنها حبر على ورق إن لم تُترجم إلى فعل على الأرض. فلسطين تحتاج إلى دعم مستمر، ومواقف حقيقية، لا بيانات مكتوبة.”
ويضيف بأسى: “اليوم، الشباب اللبناني لا يعرف الوطن إلا من خلال الفقد، سواء فقدان القدرة على العيش الكريم أو فقدان الأمل. الهجرة ليست خيارًا، لكنها فرض الواقع. أكبر خسارة للبنان هي عندما يضيع الشباب، ونتحمل كلفة تعليمهم ثم نراهم يغادرون ليخدموا غير لبنان.”
حاج عمر لا يغفل الشباب، فهو يرى فيهم أمل لبنان المتبقي: “الشباب اللبناني اليوم يعيش إحباطًا يوميًا. من الصعب عليهم أن يحلموا، من الصعب عليهم أن يخططوا. لكن الأمل موجود، ولا يمكن لأي وطن أن يقوم إلا بأبنائه. نحن نحتاج أن نربّي الشباب على الصبر، على تحمل المسؤولية، وعلى الإيمان بأن العمل الصادق، مهما كان صغيرًا، يصنع الفرق.”
ويتابع: “يجب أن نعلّم الشباب أن الوحدة هي الأساس. لا قيام للبنان بلا وحدة. إذا لم نضع الطائفية جانبًا، لن يكون هناك مستقبل. كل شيء يبدأ من احترام بعضنا البعض، من إحياء الضمير، ومن القدرة على قول ‘لا’ حين نرى الظلم. كل شخص مسؤول عن نفسه أولاً، ثم عن مجتمعه، ثم عن وطنه.”
لا يخجل الحاج عمر من الحديث عن الفساد، فهو يرى أنه أصل الأزمة: “الفساد لا يبدأ من الحكومة وحدها، بل من الشعب. عندما يقبل المواطن الرشوة، أو يتغاضى عن الظلم، يكون قد شارك في صنع الفساد. لبنان ليس فاقدًا للأمل، لكنه فاقد للضمير في كثير من الأحيان. الدولة لا تستطيع إصلاح نفسها إذا لم يبدأ الشعب بإصلاح نفسه أولًا.”
ويضيف: “الرقابة والمحاسبة ليست فقط واجب الدولة، بل واجب كل مواطن. إذا أردنا أن نرى لبنان قويًا، علينا أن نعلم أولادنا المبادئ قبل المال، والعمل قبل التسلط، والكرامة قبل الشهرة.”
وعندما يتحدث عن التعليم، يعلو صوته بعاطفة: “التعليم هو المعركة الحقيقية. الإنسان مهما كبر، مهما عاش، يعود دومًا إلى تربيته الأولى. المدارس ليست مجرد مبانٍ، بل هي مواقع تربية القيم. إذا تربى الطفل على الصدق، على المسؤولية، على حب الوطن، سيصبح فردًا قادرًا على صنع الفرق. أما إذا تُرك للفساد أو للكسل، فلن نحصد إلا جيلًا ضائعًا.”
ويشير إلى أن الجامعات والمدارس يجب أن تكون بيئة للتربية الحقيقية، لا مجرد شهادة على الورق. “التعليم ليس وظيفة فقط، بل بناء للأجيال القادمة، ولخلق مجتمع واعٍ قادر على مواجهة تحديات الحياة.”
حاج عمر، الذي أسس ورأس نادي النجمة، لا ينسى الرياضة. بالنسبة له، الرياضة ليست مجرد لعبة: “النادي الرياضي هو انعكاس المجتمع. إذا أصبح كل نادٍ طائفيًا، يصبح الانقسام مرآة المجتمع. أما إذا كان النادي مختلطًا، يربط الناس معًا، يكون المدرسة الحقيقية للوطنية. الرياضة تعلم الأخلاق، التعاون، واحترام الآخر، قبل أن تكون نتيجة على الملعب.”
يتذكر مواقف من نادي النجمة، حيث تمكن من جمع الجمهور من كل الطوائف في مكان واحد، يقول بابتسامة: “هنا ترى لبنان الحقيقي. الناس تتوحد لأجل الفريق، لا لأجل الطائفة. هذه هي الطريقة التي نصنع بها الوطن الصغير داخل كل مدينة، قبل أن نعيد بناء الوطن الكبير.”
وعن الحياة الأسرية، يشرح حاج عمر فلسفته: “الكرامة أهم من المال. الرجل والمرأة معًا مسؤولان عن بناء الأسرة. ليس المهم أن يكون هناك رفاهية، بل أن يكون هناك تربية، احترام، تعاون. المرأة المتعلمة قادرة على تحسين بيتها ومجتمعها أكثر من أي شعار اجتماعي. إذا كانت الأسرة متينة، سيكون المجتمع متينًا، والوطن أقوى.”
ويؤكد على تكامل الأدوار: “الرجل يتحمل مسؤولية العمل، المرأة تتحمل مسؤولية البيت، لكن الأهم هو التعاون والتكامل، ليس المادة، بل الروح والقيم. إذا ضاعت هذه المبادئ، ضاع الوطن.”
ختامًا، يرفع حاج عمر صوته بالدعاء، وكأنه يتحدث لكل لبناني: “الله يهدينا جميعًا، ويعيدنا إلى قيمنا، إلى وحدتنا، إلى وطننا. لبنان ليس ملكًا لأحد، بل هو مسؤولية كل واحد منا. إذا عمل كل لبناني بما يجب، سنبني وطنًا يليق بنا، يليق بتاريخنا، ويستحقه أبناؤنا.”
ويختتم بابتسامة وعيون تلمع بالصدق: “العمل الصادق، الوحدة الحقيقية، والقيم التي نحملها في قلوبنا، هي الطريق الوحيد للبنان الحي. من دون هذا، لن يكون هناك مستقبل، ومن دون هذا، لن يبقى لبنان كما نعرفه.”
