غندور: بيروت كانت أوَّل من واجه الاحتلال عام 1982 حين كانت المقاومة وطنية جامِعة، واليوم لا خلاص للبنان إلا بالعودة إلى تلك الروح

في زمن تذوب فيه الشعارات كما يذوب الملح في الماء، وفي لحظة يغيب فيها اليقين وتتكاثر فيها الشكوك، يبقى هناك رجال يُشبِهون البوصلة، رجال لا يتعبون من رفع راية واحدة، ولو تغيرت الرياح وأخذت الدنيا إلى وجهات مُتعاكِسة.

في بيروت، تلك المدينة التي تعلمت كيف تعيش على خط النار، وكيف تُحوِّل جراحها إلى أغانٍ، وكيف تصنع من الموت حياة، كان لا بد أن يخرج رجل يحمل الذاكرة كأمانة، ويُصِرّ على أن يبقى صوته صادِحًا بالحق في زمن صارت فيه الأصوات تتوزع على المصالح والمقاعد والولاءات الصغيرة.

هنا يدخل اسم الحاج عمر غندور، الرجل الذي حمل هم بيروت ولبنان وفلسطين معًا، وجعل من جبهة العمل الإسلامي مساحة للتقارب لا للخلاف، ومن نادي النجمة مدرسة للهُويَّة الجامِعة لا للتعصُّب الضيِّق.

عمر غندور لا يتحدث بلغة السياسة الجافة، ولا بلغة الشعارات الخشبية، بل بلغة تُشبِه الدعاء أحيانًا، والاعترافات أمام المرآة أحيانًا أخرى. فحين يسألك عن الاتحاد، فهو يقصد الاتحاد الذي يُعيد الإنسان إلى جوهره.
ويقول: رب العالمين لم يُسمِّنا سُنَّة ولا شيعة، نحن مُسلمون. أما ما يُقال اليوم من خلافات، فهي مجرد رواسب صنعتها السياسة وألبستها عباءة الدين. تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت، ولنا ما كسبنا. أما نحن، فحسابنا حاضر، أمام الله وأمام ضمائرنا، عن انقسامنا وعن عجزنا عن احترام بعضنا البعض. الماضي عند الله، أما الحاضر فعندنا.

وعندما تفتح معه دفاتر بيروت، يخرج الحزن من صوته كما يخرج من شوارع المدينة المتعبة.

بيروت ـ يقول ـ لم تكن وحدها يومًا من الأيام، بل كانت مع العروبة كلها، وكانت فلسطين هي البوصلة والقبلة. لكن الزمن غيَّرَ الأحوال. «مع الأسف، تراجعت وتراجعت».

ويُذكِّرك أنَّ بيروت كانت أوَّل من واجه الاحتلال الإسرائيلي سنة 1982، حين كانت المقاومة وطنية جامِعة، يوم لم يكن اسمها محصورًا بحزب الله أو غيره، بل كانت بيروت كُلًها تتنفس المقاومة. ولكن السياسة ـ كما يقول ـ أكلت كل شيء، وأخذت القيادات إلى مصالحها الخاصة، فانحسر الفكر البيروتي المُقاوِم، وبقي الشعب وحده يحمل الذاكرة ويُصِرّ على أنَّ فلسطين قضية حق، لا مُجرَّد أرض أو وطن.

إسرائيل باطل، والحق لا يتجزأ. والحق يفرض التحالف مع كل قوة تستطيع أن تزيل هذا الباطل، لأن الحق حين يُترك وحيدًا يذبل، وحين يجد سندًا يكبر ويُثمِر.

ومن هنا، حين يُسأَل عن الدعوات المُتكرِّرة لنزع سلاح حزب الله، يتغيَّر صوته ويشُدّ نبرته. يقول بلا تردُّد: من يطلب تسليم السلاح فهو مع إسرائيل، أو هو إسرائيل. لا أمان مع عدو تُجرِّبهُ التجارب منذ 1948. إسرائيل لا تفهم إلا لغة واحدة: القوة. فإذا كان للبنان «شوية قوة»، كما يقول، فمنطق الأمور يقضي بتعزيزها لا بنزعها.
كيف تطلب من دولة عاجِزة عن حماية مواطنيها أن تنزع سلاح المقاومة؟ كيف يمكن لدولة لا تملك سوى العودة إلى الدبلوماسية في كل خرق واعتداء أن تمنع المقاومة عن الدفاع؟ إسرائيل تخرق القرارات الأممية يوميًا؛ تقصف وتقتل وتعتدي، والدولة لا تستطيع أن تُطلِق رصاصة واحدة — ليس لأنها لا تريد، بل لأنها ممنوعة. ممنوع على الدولة أن تُطلِق النار على إسرائيل. والجيش نفسه مُقيَّد، لا بإرادته بل بضغط الخارج، بضغط الأمريكيين الذين يريدون جيشًا بلا سلاح، ودولة بلا أنياب. الحل الوحيد، كما يُردِّد غندور، هو ما قاله القرآن: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة».

وعندما تنتقل به إلى موضوع الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، يبتسم بأسى. يقول: خطوة إيجابية، لكنها «حبر على ورق». اعترافات بلا تنفيذ، بلا التزامات، بلا أثر على الأرض. ومع ذلك، فهي أفضل من الصمت، خصوصًا حين تأتي من بريطانيا التي كانت شريكة في جريمة وعد بلفور. هنا يصبح الاعتراف أكثر من حبر: يصبح إقرارًا متأخرًا بالذنب، ولو أنه يبقى ناقصًا، لأنه لا يُترجَم إلى فعل.

أما الشباب اللبناني، فقصته معهم قصة طويلة. إحباط يُحيطهم من الرأس حتى القدم، والهجرة هي الخيار الغالِب. لا بسبب فلسطين هذه المرة، بل بسبب لقمة العيش. «أكبر خسارة للبنان هي خسارة الأدمغة»، يقول.
ويُتابِع:«ندفع مئات الألوف لتعليم أبنائنا، ثم يُهاجرون لخدمة البلد الآخر، بدلًا من أن يستفيد منهم وطنهم.»
وهكذا ضاع الشباب، بين وطن لا يُقدِّم لهم مستقبلًا، وعالَم يفتح لهم أبوابًا مشروطة بالغربة والاغتراب.

وعن الأحزاب الإسلامية، لا يُجامِل. فلا نجاح مُطلَقًا، ولا فشل مُطلَقًا. محاولات للوحدة موجودة، لكنها تبقى مُعلَّقة ما دامت العدالة الاجتماعية غائبة، والأزمة الاقتصادية تتآكل.

الوطن، كما يراه، ليس أرضًا فحسب، بل هو إحساس جماعي: أن تشعر أنك جزء من مصير واحد، وأن تنظر إلى المستقبل نظرة واحدة. ما دام لبنان شعوبًا وليس شعبًا واحدًا، سيظل مُعلَّقًا. والطائفية السياسية، عنده، هي أصل الداء: «ما دامت الطائفية السياسية قائمة، لا وطن في لبنان».

في اللامركزية الإدارية، يُفرِّق بين ما يُعزِّز الدولة والمجتمع، وبين ما يُخفي وراءه مشروع تقسيم. فالأولى مطلوبة، والثانية مرفوضة. والإنتخابات البلدية ـ برأيه ـ يجب أن تكون على أساس المُقيمين فعلًا، لا على لوائح الشطب التي تربط الناس بقراهم البعيدة وتجعل البلديات رهينة أصوات الغرباء. «البلدية لأهلها»، يقول.

أمَّا الإعلام، فله فيه كلمة حاسمة. الإعلام ـ كما يراه ـ قادر على أن يُغيِّر موازينًا، إن هو التزم بالحق لا بالمصالح، وبالوطن لا بالطائفة. فالإعلام الموضوعي يستطيع أن يُؤثِّر في الداخل والخارج. كلمة الحق إذا قيلت بصدق تصل إلى أبعد مدى. «امشوا مع الحق»، يُكرِّرها مثل وصية.

وللشباب أيضًا، يُوجِّه وصيَّة.: «ضعوا أيديكم بأيدي بعضكم. فمن دون وحدة لا قيام للوطن».
الحكم ـ عنده ـ يجب أن يكون على العمل، لا على الهوية، ولا على الطائفة. هذا هو المعيار، وهذا هو المستقبل إن أردنا مستقبلًا.

ثم يعود إلى الرياضة، المجال الذي يعرفه كما يعرف كف يده. الرياضة ليست لعبة، بل ثقافة جامِعة. ولكن في لبنان تحوَّلت الأندية إلى مرايا للطوائف، بحيث أصبح كل نادٍ يُمثِّل طائفة مُعيَّنة.
يقول: “النادي الرياضي يُمثِّل طائفة معينة، ونادي الحكمة طائفة أخرى”. بينما الرياضة، في جوهرها، يجب أن تكون جسرًا يربط بين الناس، لا جدارًا يُفرِّق بينهم على أساس الطائفة. لو كان القرار بيده، لما منح أي نادٍ رخصة إلا إذا كانت إدارته مختلطة، وعندها سيصبح الجمهور مختلطًا بدوره، ويُشجِّع الرياضة لا الانتماء الطائفي.

ويتذكر نادي النجمة، الصورة الحقيقية للبنان بتنوع جمهوره. ويروي حادثة لا تُنسى: عام 1974، دخلت عليه امرأة لتشكره، لأن توليه إدارة النادي أنقذ زوجها من الانتحار. «هالكلمة تنسيك كل التعب»، يقول.
هنا يثبت أن الرياضة ليست مجرد كرة، بل علاج اجتماعي وأخلاقي، وأنها حين تكون جامِعة، تصبح وطنًا صغيرًا يداوي أوجاع الوطن الكبير.

وحين يُسأَل عن الخلافات الصغيرة، كجدل تسمية ملعب أو شارع باسم الشهيد حسن نصر الله، يجيب بهدوء: «ماذا يضر إذا سميناه أو لم نُسميه؟». فالسياسة تأكل كل شيء، حتى الرياضة. ويُذكِّر بمدينة كميل شمعون الرياضية، وبملعب النجمة الذي صار ملعب رفيق الحريري.

الأسماء تتغير، ولكن الجوهر يظل: السياسة تتدخل في كل شيء، حتى في ملعب كان من المفترض أن يبقى للناس، لا للزعماء.

في الختام، يرفع يديه بالدعاء. صوته يعود إلى نبرته الأولى، نبرة المؤمن الذي يرى العالم ساحة امتحان. «الله يهدينا جميعًا، الله يرشد الناس نحو الطريق الصحيح، ويبعدهم عن الخلافات، لأنها لا تؤذي إلا أصحابها». وكأن ما يقوله دعاء شخصي بقدر ما هي رسالة عامة، لأن الرجل، في كل ما يقول، يظل يرى نفسه مجرد عبد من عباد الله، يحاول أن يقول كلمة الحق، ويترك الباقي على الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *