مقابلة مع رئيس “اللقاء الإسلاميّ الوحدويّ”  الحاج عمر غندور عبر موقع ليبانون فوكس Lebanon Focus

حاوَرَتْهُ الإعلاميَّة مريم بيضون

في لحظةٍ إقليميَّة بالِغة الإضّطراب، يتقدَّم فيها صوت الميدان على ما عداه، يَمُرّ لبنان بواحِدة من أدقّ وأخْطَر مراحِلِهِ. من جنوبٍ مُشتَعِل على وَقْعِ التوغُّلات والإستهدافات الإسرائيليَّة، إلى البقاع وضاحية بيروت الجنوبيَّة، ومناطق لبنانيَّة عديدة ومُختلفة التي تطالَها تداعيات التَّصعيد وهواجِس التهديد، ومع تفاقُم النزوح واستمرار الإنهيار الإقتصادي الخانِق، تتداخَل الأزمات لتُنتِج مَشهَدًا مُثقَلًا بالقَلَق، وتفتَح الباب أمام تساؤلات مصيريَّة حول حاضِر لبنان والمِنطقة.

وفي خِضَمّ هذه الوقائع المُتسارِعة، يَقِف لبنان على حافة توازُنٍ هَشّ، تتجاذَبهُ الحسابات الإقليميَّة وتتشابَك فيه رهانات القوى الدوليَّة، في ظِلّ عَجْزٍ داخليّ عن بلوَرَة رؤية مُوحَّدة لمواجهة التحدَّيات.

ولمُقارَبَة هذا المشهد المُعقَّد، أَجْرَيْت مُقابلة مع رئيس “اللقاء الإسلاميّ الوحدويّ” الحاج عمر غندور، أَعْرِض في ما يلي مضامينها ومحاورها.

الحاج عمر غندور: لبنان أمام خيارين… إمَّا التكاتُف أو الإنهيار

في ظِلّ التَّصعيد الإقليميّ المُتسارِع وتداخُل المِلفَّات الدوليَّة مع الواقع اللبناني، يَبرُز القلق من انزلاق لبنان والمنطقة إلى مزيد من التوتُّرات السياسيَّة والأمنيَّة والإقتصاديَّة. وفي هذا السِّياق، يُؤكِّد رئيس “اللقاء الإسلاميّ الوحدويّ” الحاج عمر غندور، في حديثٍ خاص، أنَّ لبنان يَقِف اليوم عند مُفتَرَق مصيريّ حاسِم، حيث لا خيار أمامه سوى ترسيخ التكاتُف الداخليّ وتوحيد الرؤية الوطنيَّة لمواجهة التحدِّيات، مُحذِّرًا من أنَّ استمرار الإنقسام والتشرذُم من شأنِه أن يدفَع لبنان نحو مزيد من التدهور والانهيار.

لبنان بين التفاوُض الأميركيّ–الإيرانيّ والتَّصعيد الإسرائيليّ

يرى الحاج عمرغندور أنَّ الرَّبط بين المسار التفاوضي الأميركيّ–الإيرانيّ وما يجري في لبنان ليس دقيقًا بالضَّرورة، مُعتبِرًا أنَّ “إيران ليست في موقع المُعتَدي، بل إنَّ إسرائيل والولايات المُتَّحِدة الأميركيَّة هما من يقودان مسار التَّصعيد في المِنطَقة”. وبالتالي فإنَّ الجهة المُبادِرة إلى الإعتداء هي المعنيَّة بوقف الحرب. ويُؤكِّد أنَّ خُصوصيَّة الوضع اللبناني تفرض مُقارَبة مختلفة، في ظِلّ الإعلان الاسرائيليّ الواضِح عن مشروع توسُّعي يُعرَف بـ”إسرائيل الكبرى من الفُرات إلى النيل”، بعد أن كان يُطرَح ضُمنيًّا في مراحل سابِقة.

وفي ضوء ذلك، يرى الحاج عمر غندور أنَّ لبنان يُواجِه معادلة حادَّة تتجاوَز ثُنائيَّة الحَرب والسَّلام، لتضعه أمام خيارين أساسيَّين: إمَّا القُبول بالواقع المفروض، وإمَّا مواجهته. ويُشدِّد في هذا السِّياق على أنَّ الإشكاليَّة الجوهريَّة في الداخل اللبناني تكمُن في غياب التوافُق الوطنيّ، مُعتبرًا أنَّ قُوَّة لبنان تنبع من وِحدَتِهِ، فيما يُشكِّل الإنقسام أبرز عناصر ضُعفه.

الإنقسام السياسيّ وازدواجيَّة التعاطي: قرار طرد السفير الإيراني نموذجًا

وعن الإنقسام السياسيّ، لا سِيَّما في ما يتَّصِل بقرار طرد السفير الإيرانيّ في لبنان، يَصِف الحاج عمر غندور القرار بأنَّهُ :”قرار حزبيّ لا يعكس إرادة الدولة”، مُعتبِرًا أنَّ توقيته غير مُناسِب في ظِلّ الظُّروف الرَّاهِنة، ومُشيرًا إلى وجود ازدواجيَّة في التعاطي مع التدخُّلات الخارجيَّة.

تداعيات اقتصاديَّة لأزماتٍ إقليميَّة مفتوحة

في ما يتعلَّق بالتَّصعيد الإقليميّ، وإغلاق مضيق هرمز، والتهديد بإغلاق باب المندب أيضًا، يُحذِّر الحاج عمر غندور من تداعيات واسِعة على الإقتصاد العالمي، تنعكس بدورها على لبنان الذي يُعاني أصلًا من أزمة إقتصاديَّة خانِقة، ويُشير في هذا السِّياق إلى أنَّ مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب تبدو غير واضِحة حِيال هذا التَّصعيد، ما يزيد مَنسوب الغُموض في المشهد، لافِتًا إلى أنَّ المواقف الدوليَّة، ولا سِيَّما الأميركيَّة، لا تزال غير واضِحة، فيما تتحرَّك إسرائيل ضمن هذا الإطار.

قانون إعدام الأسرى: انتهاكٌ قانونيّ وتصعيدٌ يستدعي مَوقِفًا دوليًّا حازِمًا

وفي تعليقِه على مُصادَقة الكنيست الإسرائيلي على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيّين، يعتبر الحاج عمر غندور أنَّ هذا القرار يُشكِّل انتهاكًا صارِخًا للقوانين الدوليَّة ومبادئ حقوق الإنسان، ويَدخُل في سياق سلسلة من السِّياسات التي تعتمدها إسرائيل. ويُعبِّرعن أسَفِه لما يَصِفهُ بإزدواجيَّة المعايير لدى المجتمع الدولي، الذي “يَنظُر بعينٍ واحِدة” إلى هذه القضايا. ويرى أنَّ هذا التطور يستدعي موقفًا أكثر حزمًا من الفلسطينيّين والعرب والدول الإسلاميَّة والجميع، مُؤكِّدًا ضرورة إعادة طرح القضايا الجوهريَّة المُرتبطة بالصِّراع، وفي مُقدِّمها حقوق اللاجئين، التي بقيت، خارِج المُعالجة الفعلية منذ محطَّات مِفصليَّة كعام 1948 وما تلاه.

تصعيد ميدانيّ مفتوح وأهداف تتجاوَز الحدود العسكريَّة

يَصِف الحاج عمر غندور المرحلة الرَّاهِنة بأنَّها :”مسار مفتوح على احتمالاتٍ واسِعة”، في ظِلّ استهداف الجيش اللبناني والتوغُّلات الإسرائيليَّة، مُعتبرًا أنََّ ما يجري يتجاوَز كونه مُواجهة محدودة. ويرى أنَّ الهدف لا يقتصر على إضعاف طرفٍ بعينه، بل يتعدَّاه إلى فرض واقع جديد في لبنان. وفي هذا السِّياق، لا يستبعد احتمال تدخُّل أطراف إقليميَّة، مُشيرًا إلى أنَّ تدخُّل الجيش السوري يبقى واردًِا، وفق تقديره، ضمن توازنات تخدُم مصالح الولايات المُتَّحِدة الأميركيَّة وإسرائيل.

كما يقرأ في استهداف البُنى التحتيَّة في الجنوب اللبناني، من جُسور ومرافِق حيويَّة، محاولة للضَّغط على المجتمع اللبناني ودفعه إلى التفكُّك، عبر إنهاك مختلف مناطِقِه وبيئاتِه.

مشروع تغيير جغرافيّ وديموغرافيّ؟

يرى الحاج عمر غندور أنَّ الأهداف الإسرائيليَّة لا تقتصر على إقامة منطقة عازِلة فقط، بل تتجاوزه نحو “التمدُّد التدريجيّ”، مُستشهدًا بتاريخ إسرائيل منذ عام 1948. ويرى أنَّ أي ضُعف داخليّ لبنانيّ يُسَهِّل تحقيق تلك الأهداف، ويُعزِّز فُرَص فَرضها على أرض الواقع.

التكاتُف الوطنيّ: مفتاح صُمود لبنان أمام الإنقسامات والأزمات

يُبدي الحاج عمر غندور قلقًا بالِغًا من تفكُّك النسيج الداخليّ اللبنانيّ، مُعتبرًا أنَّ غياب التفاهُم بين اللبنانيين يفتح المجال لكل الإحتمالات، بما في ذلك المُواجهات الداخليَّة، وأنَّ قدرة الدولة على مواجهة الأزمات محدودة ما دامَت تعكس واقع مجتمع مُنقَسِم.

على الصَّعيد الإجتماعيّ، يُشير الحاج عمر غندور إلى أنَّ مستوى التماسُك المُجتمعيّ مُتدنِّ للغاية، لا سِيَّما حول قضايا أساسيَّة كمِلَفّ النزوح، ما يجعل لبنان يبدو وكأنَّهُ مجموعة شُعوب وليس شعبًا واحِدًا، في حين أنَّ بيروت نفسها تُواجِه انقسامات واضِحة بين من يعتبر إسرائيل عَدُوًّا يجب مُواجهته ومن يتبنّى مواقف مُختلِفة.

ويأسَف الحاج عمر غندور لتراجُع خطاب الإعتدال، مُؤكِّدًا أنَّ إعادة إحياء الحوار الوطنيّ، لا سِيَّما بين المُسلمين والمسيحيّين، أمر حيويّ لبناء وعي وطنيّ جامِع، وتحمُّل الأجيال الجديدة مسؤوليَّة تعزيز هذا الإنتماء للوطن. ويُشدِّد على أنَّ الإتِّفاق الداخليّ والتكاتُف الوطنيّ يُشكِّلان الركيزة الأساسيَّة لِصَون لبنان، مُعتبرًا أنَّ “اتِّفاق اللبنانيّين أقوى من أي قُوَّة عسكريَّة”، وأنَّ غياب هذا الإتِّفاق هو أصل الأزمات المُتراكمة مُنذ الإستقلال، حيثُ كرَّسَت المرحلة التي تَلَت عام 1943 بُنية سياسيَّة قائِمة على المصالِح والإنقسامات بدلاً من بناء دولة جامِعة.

كما ينتقد الحاج عمر غندور المواقف السياسيَّة اللبنانيَّة الحالية التي تُقلِّل من خطورة الإعتداءات الإسرائيليَّة، ومُشيرًا إلى أنَّ خطاب قادة إسرائيل، بما في ذلك بنيامين نتنياهو، يتجاهل القيم الإنسانيَّة والدينيَّة ويعكس نهجًا تصعيديًّا لا يعترف بالآخر.

وفي مواجهة هذا الواقع، يرى الحاج غندور أنَّ حماية لبنان تتطلَّب تجاوُز الإنقسامات التاريخيَّة، وبناء وعي وطني مُوحَّد، يُعيد تفعيل الشراكة الحقيقية بين جميع مُكوِّنات المجتمع اللبناني، ويضع مصلحة الوطن فوق أي حسابات حزبيَّة أو مناطقيَّة، بما يُتيح للبنانيين الصُّمود في ظِلّ الإنهيار الإقتصاديّ وارتفاع كلفة المعيشة، ومواجهة التهديدات الأمنية بِحَزمٍ وقُوَّة مُوحَّدة.

ويرى الحاج غندور أنَّ الصُّمود اللبنانيّ مرهون بالوِحدة والتكاتُف، مُؤكِّدًا أنَّ الإنقسام الداخلي يُهدِّد القدرة على مواجهة الأزمات الإقتصاديَّة والأمنيَّة، وأنَّ صعوبة الوضع المالي والإجتماعي تجعل المواطن اليوم في موقف هَشّ، إذ أنَّ القدرة على تأمين الحدّ الأدنى من الإحتياجات اليوميَّة غير مضمونة، ما يعكس حجم التحدّيات التي تُواجِه لبنان.

الحياد لا يُنقِذ لبنان… الصُّمود يتطلَّب وِحدة وطنيَّة وجيشًا قويًّا

ويُشدِّد غندور على أنَّ الحياد لا يحمي لبنان في مواجهة التهديدات، وأنَّ مقاومة أي انتهاك لمصلحة الوطن تتطلَّب قُوَّة مُوحَّدة وجيشًا قادِرًا على الدِّفاع عن السِّيادة. ويُقدِّم تقييمًا واقعيًّا للأوضاع الراهنة، مُوضِحًا أنَّ لبنان يعيش واقع خراب وانهيار على المستويات الإجتماعيَّة والأخلاقيَّة والإقتصاديَّة، وأنَّ أي حلّ فعليّ يبدأ من تفعيل التفاهُم الداخليّ ووضع مصلحة الوطن فوق أيّ حسابات حزبيَّة أو مناطقيَّة.

رسالة إلى اللبنانيين المُقيمين والمُغتربين

ويختُم الحاج عمر غندور حديثه برسالة تحذيريَّة، مُعتبِرًا أنَّ لبنان يواجه انهيارًا على مختلف المستويات، وأنَّ الخروج من هذا الواقع يتطلَّب التخلّي عن الإنقسامات والعمل على بناء دولة حقيقيَّة.

كما يُوجِّه رسالة إلى الشَّباب اللبنانيّ، المُقيم والمُغترب، داعيًا إلى عدم الإعتماد فقط على الدَّعم الإقتصاديّ، بل الإنخراط في مشروعٍ وطنيّ يُعيد بناء الدولة ويحفَظ الكيان اللبنانيّ، مُحذِّرًا من أنَّ “استمرار الواقع الحالي قد يُهدِّد وجود لبنان نفسه.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *