في زمنٍ يتشابك فيه الضَّوء بالعتمة، والرجاء بالألم، ويغدو المُستقبل غابةً من ضياعٍ لا ينتهي، تشتدّ الحاجة إلى أصواتٍ نادرة لا تُساوِم على الحقيقة، ولا تنحني للعواصف، ولا ترضخ للضغوط، ولا تضلّ في ضجيج الخطابات العالية والمنابِر التي تهدُم المعنى بدل أن تبنيه. أصوات ما تزال ترى لبنان كما هو، لا كما تصوغه الطوائف، ولا كما ترسمه العواصم، ولا كما تتقاسمه المصالح المتداخلة.
ومن بين تلك الأصوات يبرز اسم الحاج عمر غندور، ضميرًا حيًّا يُذكِّر بأنَّ الوطن لا يُشاد على الاصطفافات، ولا يُحمى بقوة مُستعارة من الخارج، ولا ينهض ما لم ينهض أبناؤه معًا.
هذا الرجل الذي عايَشَ الحرب والسِّلم، والهدنة والاشتباك، وتحوُّلات لبنان الحديثة بما حملته من دمارٍ وأملٍ وخيبةٍ وانبعاث، يُطِلُّ اليوم في لحظةٍ فريدة لا تُشبِه سواها: لحظة زيارة بابوية إلى قلب بيروت الجريحة، تتقاطع مع تهديد إسرائيلي مُتصاعِد، وانقسام داخلي عميق، وتشرذُم سياسي لم يَعُد يُشبِه إلا نفسه.
في خِضَم هذه اللحظة، بدا صوت الحاج عمر غندور كجرسٍ يُوقِظ لا كجرسٍ يَرثي، مُذكِّرًا اللبنانيين بأنَّ خلاصهم لا يهبُط من السَّماء، بل يصنعونه بأيديهم.
وهنا تبدأ الحكاية،
حكاية رجل عرف بيروت يوم كانت تتشكَّل من بحرٍ يُطلِق المُغامرين، وجَبَلٍ يصنع الصَّلابة، وساحاتٍ تُعلِّم الناس معنى الانتماء. رَجُل آمن بأنَّ الوطنية ليست شعارًا يُرفَع، بل مُمارَسة يومية تُقاس بها قيمة الإنسان، وأنَّ الإتِّحاد ليس أمنية عابِرة، بل سُلوكًا يُجَسَّد، وأنَّ المقاومة ليست نزعة للحرب، بل ضرورة يفرضها المُعتدي، وأنَّ العدالة لا تُستورَد جاهزة، بل تُبنى في الداخل بحرفية وصِدق.
من هنا، يبدو الدخول إلى عالم الحاج عمر غندور أشبه بالولوج إلى مشهد واسع تتقاطع فيه السياسة مع الفلسفة، ويتجاور التاريخ مع التحليل، وتمتزج التجربة الشخصية بالذاكرة الجماعية للبنان.
وبما أنَّ النص المطلوب نصًّا طويلًا، سرديًا، مُمتدًّا في المعنى والمضمون، فإنَّ الحكاية ستجري بلا انقطاع، تمامًا كما ينساب حديث الحاج عمر ذاته: متواصلًا، صادقًا، ينتقل من الجُرح إلى الأمل، ومن الإحباط إلى التحريض، ومن الذاكرة إلى المستقبل.
كان لقاء الحاج عمر غندور مناسبة لإعادة قراءة المشهد اللبناني في عمقه، بعيدًا عن التحليلات الجاهزة والانقسامات التقليدية، ومن خلال بصيرة رجل يعرف من التاريخ ما يجهله كثيرون من السياسيين، ويقرأ المستقبل من نافذة التجربة لا من ثقب التوقُّع.
يبدأ حديثه من الزيارة البابوية، تلك اللحظة التي اعتبرها البعض مُجرَّد بروتوكول، فيما رآها غندور ضوءًا يتسرّب إلى عتمة طال أمدها، كأنَّ حضور البابا إلى بيروت ليس حدثًا كنسيًا بحتًا، بل محاولة حقيقية لإعادة الروح إلى مدينة أنهكها جفاف الروح منذ سنوات.
لكنَّ غندور لا يقف عند حدود البُعد الروحي، ولا يُهادِن أحدًا، فهو يُدرِك أنَّ الرمزية الدينية شيء، والواقع السياسي شيء آخر تمامًا. لذلك يقول بلا تردُّد إنَّ الترحيب بالبابا كان واسِعًا وصادِقًا، غير أنَّ السؤال الجوهري يبقى: هل ستُفضي هذه الزيارة إلى نتائج حقيقية، أم ستظلّ مُجرَّد مشهد تمثيلي عابِر؟
لا يطرح ذلك بسخرية، بل بمرارة العارِف بأنَّ اللبنانيين بارِعون في صناعة المشاهد، ضُعفاء في صناعة المشاريع وتنفيذها، أقوياء في الاحتفال، قادرون على الخطابة، عاجزون عن الإتِّفاق حول كلمة واحدة.
ومن هنا يدخل غندور إلى صميم المسألة: فلبنان لا يمكن أن يستمر إذا ظلّ شعبه مُتفرِّقًا، وإذا بَقِيَت الطوائف جُزُرًا معزولة، وإذا استمرّ السياسيون في بناء زعاماتهم على الإنقسام بدل الإقرار بأنَّ قُوَّة القائد لا تُستَمَدّ من الإرتهان للخارج، بل من قدرته على بناء الداخل وترسيخ وحدته.
يُقِرّ غندور بصراحة أنَّ اللبنانيين، رغم عيشهم على أرضٍ واحدة، لم يتكوَّن لديهم يومًا وعيٌ سياسيٌ مُوحَّد، وأنَّ الطائفية لم تنشأ من صُلب العقيدة أو الدين، بل من مُمارسات السياسيين الذين أدركوا أنَّ استمرارهم مرهونٌ بتغذية الانقسام لا بمعالجة أسبابه.
ومع ذلك، يتمسَّك الحاج عمر غندور بفكرة أنَّ الأمل لم يُطفَأ بعد، وأنَّ هناك فئة ما زالت تُؤمِن بأنَّ الإنسان يُقيَّم بفعله لا بطائفته، بأخلاقه لا بمذهبه، وبضميره لا بانتمائه.
وفي هذا السياق، يعتبر الحاج عمر أنَّ مشهد “لقاء الأديان” خلال زيارة البابا لم يتجاوز كونه واجهة تلفزيونية أنيقة لا تُعبِّر عن واقع فعلي، ولا سِيَّما أنَّ السياسة هي التي تُوَجِّه رجال الدين لا العكس. وكان يتمنَّى لو أنَّ السياسيين جلسوا معًا وطرحوا على أنفسهم أسئلة جوهرية: إلى أين نتَّجِه؟ ما مشروعنا الوطني؟ من هو عدوّنا؟ ما طبيعة اقتصاد بلدنا؟ وكيف نُعيد بناء الإنسان قبل أن نبني الحجر؟
ويصل غندور إلى النقطة الجوهرية التي يخشى كثيرون الاقتراب منها: إسرائيل. فهو يرى أنَّ إسرائيل لم تتغيَّر ولن تتغيَّر، ولن تشعر بالراحة إلا حين تُحقِّق طموحاتها التوسُّعية. ومن هذا المنطلق، يعتبر أنَّ الحديث عن الحياد يظلّ مُجرَّد ترف لفظي في ظلّ وجود عَدُوّ على الحدود يعتدي ويُهدِّد ويهدُم ويقتُل. فكيف يمكن لبلد يواجه تهديدًا يوميًا أن يتبنّى الحياد؟ وكيف تُرفَع راية الحياد أمام قُوَّة لا تعترف بالحدود، ولا بالاتفاقيات، ولا حتى بوجود شعب بأكمله؟
ثم ينتقل غندور ليعرض رؤيته للمقاومة، ليس من زاوية السياسة الضَّيقة، بل من منطق الشعوب: حين تغيب الدولة، تظهَر المقاومة، وحين يعود الدور للدولة، تصبح هي وحدها صاحبة السلاح. يوضح أنَّ لا أحد يُريد الحرب، لكن الظُّروف تفرض نفسها. والخطأ، حسب قوله، ليس في وجود سلاح المقاومة، بل في غياب الدولة التي لم ترد يومًا أن تحلّ محلَّها. ثم يستعرض وقائع مألوفة: كيف أنَّ جنديًّا لبنانيًّا واحِدًا أطلَقَ النار دفاعًا عن أرضه فاهتزّ الكونغرس الأميركي، وكيف أنَّ هذا المنطق المعكوس جعل من المُعتدي “صاحب حقّ في الدفاع عن نفسه” ومن المُدافِع “مُعتديًا”.
وينتقل الحاج عمر إلى مرحلة أخرى من تحليله، تُركِّز على علاقة السياسيين بالخارج، مُشيرًا إلى أنَّ القوى الخارجية لا تُقدِّم المساعدة إلَّا بما يخدُم مصالحها الخاصة. ويُشدِّد على أنَّ لبنان لن يُبنى ما دام السياسيون يضَعون مصالح الآخرين فوق مصلحة الوطن، وأنَّهُ لا خلاص للبلد ما لم يُدرِك قادته أنَّه ليس مزرعةً، ولا شركةً، ولا إرثًا عائليًا.
وبين السياسة والتاريخ، يستذكر غندور تجربة شخصية تعود إلى حرب عام 1975، حين حاول تأسيس “مجلس شيوخ” يَحُدّ من الهواجس الطائفية، ويُقيِّد صلاحيات الخوف، ويضمَن تمثيل الطوائف في إطار مُحدَّد، مُقابِل تحويل السُّلطة التنفيذية إلى سُلطة وطنية لا يُقاس عملها باللون الطائفي للشارع. لم ينجح المشروع، لكنه يُؤكِّد أنَّ الفكرة ما زالت صالِحة: الدولة المدنية لا تعني إلغاء الطوائف، بل تنظيم وجودها حتى لا تتحوَّل إلى متاريس.

في حديثه عن الجيل الجديد، يُعبِّر غندور بصراحة عن أمله في أن يمتلك هذا الجيل القدرة على التغيير، لكنه في الوقت نفسه يخشى أن تتغلغل الطائفية في نفوسهم ، ويعتبر أنَّ التربية السياسية في المنازل والمدارس والمناهج ما تزال تصنع مواطنًا طائفيًا بدل مواطن وطني. ويُؤكِّد بأنَّ التغيير الحقيقي يتطلَّب إعادة بناء العقل، لا إعادة بناء الشعارات.
ثم ينتقل إلى وصف بيروت، وكأنَّهُ يُحدِّق في امرأة يعرفها منذ زمن بعيد: بيروت التي كانت عربية ومُنفتحة ومُناضِلة، أصبحت اليوم مرآةً لانقسام الداخل وتأثير الخارج. مدينة تُشبِه أبناءها: جميلة رغم الكدمات، قوية رغم الجراح، ناهِضة رغم أنَّ الأرض تسحبها إلى الأسفل.
ويُشدِّد غندور على أنَّ بيروت قادرة على النهوض دائمًا، لكنها لن تنهض إن بقي البيت مُستباحًا، وإن استمرَّت القوى الخارجية تدخُل من نافذة الخلافات لتتحكَّم بالكُلّ.
وفي ختام المقابلة، يَصِل غندور إلى خُلاصَتِه التي تبدو كتشخيصٍ لوطنٍ بأكمله:
لا وطن بلا اتِّحاد،
ولا اتِّحاد بلا اتِّفاق،
ولا اتِّفاق بلا قرار،
ولا قرار بلا قادة يعرفون معنى الوطن،
ولا وطن إذا بقيت الطوائف قبائل،
وبقي السياسيون وُكلاءً للخارج،
وبقي الشعب قطيعًا تُساق مشاعره بدل قناعاته.
ويختُم الحاج عمر حديثه بعبارة تتداخل فيها الحكمة بالوجع: «لا يمكن هزيمة العدو بالدعاء وحده. الصلاة ضروريَّة، لكن “معها شوية قطران”. لبنان بحاجة إلى الفعل لا إلى الرجاء فقط.»
ويُضيف: «القبطان الذي يُغرِق المَركِب لا يمكن أن يُخرِجهُ إلى البرّ. لا بُدّ من قبطان جديد.»
وهكذا ينتهي الحوار، لكنَّهُ لا يُغلِق الباب، بل يترُك مِساحة للعودة، وكأنَّهُ يقول إنَّ لبنان ليس بلدًا يُفهَم من جلسة واحدة، بل بلد يحتاج إلى قراءة مُستمرَّة، وإلى رجال يعرفون أنَّ الكرامة الوطنية ليست ورقة مُساوَمة، وأنَّ الاتِّحاد ليس رفاهية، وأنَّ إسرائيل ليست صديقًا مُحتملًا، وأنَّ بناء الإنسان هو حجر الأساس لأي نهضة مُمكِنة.
بهذه الرؤية، يتجلَّى الحاج عمر غندور ليس فقط كشاهِد على هذه المرحلة، بل كشريك فاعِل في تشكيل الوعي الوطني، وصوتًا صادِقًا لا يُساوِم، ورجُلًا يرى لبنان كما يجب أن يكون، لا كما يُراد له أن يكون.
