في ظل التطورات السياسية والأمنية المتسارعة التي يشهدها لبنان، حلّ رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، الناشط السياسي والتنموي الدكتور بول الحامض، ضيفاً في مقابلة مطوّلة تناولت مجمل المشهد اللبناني من زواياه السياسية، الأمنية، الإقليمية، والداخلية، في مرحلة وصفها بـ«المفصلية والخطيرة».
في مستهل الحديث، اعتبر الحامض أن المشهد الأمني في لبنان، وعلى الرغم من كل التوترات، لا يزال تحت السيطرة نسبياً، مؤكداً أن الفضل في ذلك يعود بشكل أساسي إلى الجيش اللبناني. وقال إن المؤسسة العسكرية نجحت في منع انزلاق البلاد إلى الفتنة، لا سيما في المناطق الحساسة التي شهدت احتكاكات طائفية، حيث أثبت الجيش مرة جديدة أنه صمّام الأمان وحامي السلم الأهلي، وقادر على الوقوف بين اللبنانيين ومنع أي اقتتال داخلي.
وأشار إلى أن لبنان يمر اليوم بمرحلة دقيقة تتزامن مع مفاوضات حساسة تُجرى في الناقورة، معتبراً أن غياب أي خرق فعلي حتى الآن لا يعني الاطمئنان الكامل، بل يستدعي مزيداً من الحذر والجاهزية. وأكد أن لبنان يمتلك اليوم فرصة حقيقية للسلام، لكن هذه الفرصة قد تضيع في أي لحظة إذا لم تُواكب بقرار سياسي واضح وشجاع.
وفي ما يتعلق بإسرائيل، شدد الحامض على أن الدولة العبرية تاريخياً لا تعتمد إلا لغة القوة والحرب، وغالباً ما تستخدم التصعيد الميداني كأداة ضغط سياسي. ولفت إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لا يبدو في وارد الذهاب نحو تسوية حقيقية، نظراً لحساباته الداخلية المعقّدة، ما يجعل الوضع مفتوحاً على كل الاحتمالات.
واعتبر أن الحروب الحديثة لم تعد حروب انتصار أو هزيمة تقليدية، بل أصبحت حروب استنزاف وتصفيات بشرية، حيث يدفع المدنيون الثمن الأكبر. وحذّر من خطورة انزلاق لبنان إلى مواجهة مفتوحة، مؤكداً أن البلد صغير بإمكاناته الجغرافية والبشرية ولا يحتمل حرباً طويلة أو مدمّرة.
وفي هذا السياق، دعا الحامض إلى دعم رئيس الوفد اللبناني المفاوض العميد سيمون كرم، مطالباً بتعزيز الوفد بغطاء سياسي ووزاري واضح، لأن المفاوضات لا يمكن أن تنجح إذا بقيت محصورة بإطار تقني أو عسكري فقط. وشدد على ضرورة الانتقال من مرحلة الوعود والمراوغات إلى مرحلة التنفيذ، لأن المرحلة المقبلة ستشهد محاسبة جدية لكل من يعرقل الحلول.
أما عن الجدل الداخلي حول تركيبة الوفد اللبناني وتأثيره على مسار المفاوضات، فرأى الحامض أن الانقسامات السياسية ستنعكس سلباً حتماً، معتبراً أن الحكومة الحالية شُكّلت على أسس حزبية خاطئة، وكان من الأفضل أن تكون حكومة تكنوقراط بالكامل لقيادة البلاد نحو الخلاص.
وفي ملف سلاح حزب الله، أكد الحامض أنه لا يمكن معالجة هذا الموضوع بمعزل عن الحل السياسي الشامل. ووجّه رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة الأميركية، داعياً إياها إلى لعب دور أكثر فاعلية عبر نشر قوات دولية أو أميركية على الحدود الجنوبية كخط فاصل يمنع أي اعتداءات، ويؤمّن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة. كما دعا حزب الله إلى إعطاء مهلة زمنية لتنظيم ملف السلاح، والانتقال تدريجياً نحو منطق الدولة والاقتصاد بدل منطق السلاح والمواجهة.
وأشار إلى أن الطائفة الشيعية تمتلك طاقات اقتصادية وبشرية هائلة في لبنان والانتشار، ويمكنها أن تكون رافعة أساسية للاقتصاد الوطني إذا جرى الاستثمار بهذه القدرات بعيداً عن الصراعات العسكرية.
وفي ما خص الموقف الأميركي، وصف الحامض السياسة الأميركية تجاه لبنان بالمتأرجحة، بين دعم الجيش اللبناني وعدم الذهاب حتى النهاية في هذا الدعم. واقترح أن يتم تعزيز التعاون العسكري بين الجيش اللبناني والقوات الدولية، بما يساهم في تثبيت الاستقرار وضبط الحدود وحماية الأمن الداخلي.
وانتقل الحامض للحديث عن المبادرة التي أطلقها في منطقة جبل محسن – طرابلس، والمتمثلة برفع العلم اللبناني، معتبراً أن هذه الخطوة تحمل رمزية وطنية كبيرة. وقال إن الهدف منها كان التأكيد أن أبناء جبل محسن هم لبنانيون أولاً وأخيراً، وأن الولاء يجب أن يكون للدولة اللبنانية لا لأي دولة أخرى. وأضاف أن رؤية العلم اللبناني مرفوعاً في الشوارع تعزز الشعور بالانتماء وتبعث برسالة وحدة وطنية في مدينة عانت طويلاً من الانقسامات.
وفي الشأن الانتخابي، شدد الحامض على أهمية إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، معتبراً أن أي تأجيل سيشكل ضربة قاسية للديمقراطية، وقد يفتح الباب أمام مزيد من الانهيار. وأكد أن هناك خوفاً حقيقياً لدى الأحزاب التقليدية من التغيير المرتقب، خصوصاً في ظل تصاعد دور الشباب والمستقلين ودور المغتربين.
وأشار إلى وجود تقصير واضح في التحضيرات اللوجستية للانتخابات، ما يثير الشكوك حول نيات التأجيل، داعياً رئيس الجمهورية والحكومة ومجلس النواب إلى تحمل مسؤولياتهم الوطنية ومنح اللبنانيين حقهم في التغيير عبر صناديق الاقتراع.
وعن موقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، الذي أكد أن رئيس الجمهورية هو فوق الجميع، رأى الحامض أن هذا الموقف يعكس توجهاً نحو ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وليس مجرد موقف ظرفي. واعتبر أن اعتماد اللامركزية الإدارية يشكل خشبة خلاص حقيقية للبنان بكل طوائفه.
وفي ختام المقابلة، وجّه الدكتور بول الحامض رسالة إلى اللبنانيين في الداخل والاغتراب، دعاهم فيها إلى عدم بيع أصواتهم أو الرضوخ للمال الانتخابي، وحثّهم على اختيار المرشحين الأكفّاء والنزيهين. وقال إن لبنان يقف أمام فرصة تاريخية للخلاص، شرط أن يتوحّد اللبنانيون تحت راية الوطن، ويضعوا مصلحة أبنائهم ومستقبل الأجيال القادمة فوق أي اعتبار.
وختم بالتأكيد على أن لبنان يستحق الحياة، والسلام، والاستقرار، وأن الأمل لا يزال موجوداً إذا توفرت الإرادة السياسية الصادقة.
