د. بول الحامُض يُطلِق «الإصلاح الإداري» برعاية اللواء حسن شقير: اللامركزيَّة جسر عُبور نحو التنمية المُستدامة
مريم بيضون – خاص
برعاية وحضور سعادة مدير عام الأمن العام اللواء حسن عزَّت شقير، نظَّمت لجنة “رُوَّاد من لبنان” وجمعيَّة الإرشاد والتثقيف الوطني ندوةً فكريُّة وحفل توقيع كتاب «الإصلاح الإداري في لبنان: اللامركزية الإدارية جسر عُبور نحو التنمية المُستدامة» لمُؤلِّفه الدكتور بول الحامض، وذلك في حرم جامعة سيِّدة اللويزة (NDU) – ذوق مصبح، في أجواءٍ وطنيَّة جامِعة جسَّدت التلاقي بين الفكر والمُؤسَّسة، وبين الرؤية الإصلاحيَّة والمسؤوليَّة الوطنيَّة.
شارَك في الندوة سعادة النائب الدكتور سليم الصايغ، الوزير الأسبق الدكتور زياد بارود، عميد كليَّة الحقوق والعلوم السياسيَّة في جامعة سيِّدة اللويزة الدكتور بيار الخوري، البروفسور هيام إسحق، ورئيس لجنة “رُوَّاد من لبنان” الفقيه الدكتور ميشال كعدي.
كما حضر الحفل العميد الرُّكن زاهر صوما مُمَثِّلًا وزير الدفاع ميشال منسَّى وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، العقيد جورج سلّوم مُمَثِّلًا مدير عام قوى الأمن الداخلي، مدير المخابرات في منطقة كسروان العقيد مروان منصور مُمثِّلًا مدير عام أمن الدولة اللواء ادغار لاوندس، الدكتور أنطوان فرحات مُمثِّلًا رئيس جامعة سيِّدة اللويزة الأب بشارة الخوري، قدس الرئيس العام للرهبانيَّة المارونيَّة المريميَّة الأب ادموند رزق، أمين السرّ العام للرهبانيَّة المارونيَّة المريميَّة الأب جان مهنا، أمين عام مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان الأب جان يونس مُمثِّلًا راعي أبرشية جبيل المارونيَّة المطران ميشال عون، الخوري كامل كامل مُمثِّلًا رئيس أساقفة أبرشية طرابلس المارونيَّة المطران يوسف سويف، الشيخ الدكتور محمد حيدر مُمثِّلًا نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، المُقدَّم أنيس فيَّاض مُمثِّلًا سماحة شيخ العقل لدى طائفة المُوحِّدين الدروز الشيخ سامي أبي المُنى، سماحة الشَّيخ محسن عبد الكريم، أعضاء المجلس التنفيذي في الرابطة المارونيَّة: العميد المُتقاعِد منير عقيقي والمحامي لحود لحود، البروفسور نعمة عازوري مُمثِّلًا رئيس جامعة الروح القدس – الكسليك، الأب جوزيف مكرزل، الأستاذ مروان معوَّض ممثلًا سعادة النائب ميشال معوض، الدكتور داوود رعد مُمثِّلًا النائب علي عسيران، وجَمْعٌ من الشخصيَّات الروحيَّة والدينيَّة، وفعاليَّات أمنيَّة وعسكريَّة، وسياسيَّة ونُوَّاب ووزراء ورؤساء بلديَّات وفعاليَّات واتِّحادات بلديَّة، ونقابيَّة، ومُمَثِّلي الروابط الروحيَّة والهيئات الإغترابيَّة والبعثات القنصليَّة، إضافةً إلى مُمَثِّلي الجامعات ورؤسائها، وشخصيَّات قانونيَّة وقضائيَّة، وإقتصاديَّة ومصرفيَّة، وثقافيَّة وإعلاميَّة وتربويَّة، إلى جانب عدد من الأساتذة والباحثين والطُلَّاب والمُهتمّين بالشأن العام.

استُهِلّ الحفل بالنَّشيد الوطني اللبناني، ثُمَّ ألقى الأستاذ سليمان الخوري، مدير عام قصر الأونيسكو الأسبق، كلمةً ترحيبيَّة رحَّبَ فيها بالحضور وأكَّدَ أهمية اللقاء في ترسيخ ثقافة الحوار والإصلاح.
كما تلا رسالة مُوجَّهة إلى المُؤلِّف من اللبنانية الأولى نعمت عون، شَكَرَتهُ فيها على الدَّعوة للمشاركة، مُثَمِّنةً جهوده القيِّمة والأهداف السَّامية والمَضامين البنَّاءة التي يتضمَّنها الكتاب، والتي تصُبّ في خدمة المصلحة العامة، ومُتمنِّيةً له دوام التوفيق والنجاح.
كذلك قرأ رسالة من رئيس الجامعة الأب بشارة الخوري، الموجود خارج البلاد، عبَّرَ فيها عن خالِص سروره باستضافة هذا الحدث الفكري، مُتمنِّيًا للمُشاركين دوام التوفيق والنَّجاح.

كعدي
وألقى رئيس لجنة “رُوَّاد من لبنان” الفقيه الدكتور ميشال كعدي كلمةً قال فيها: «بعد قراءة أبعاد كتاب الإصلاح الإداري في لبنان للدكتور بول الحامض في لجنة رُوَّاد من لبنان، دعتني الرَّغبة والإفصاح عمَّا يُخالِج البال لأنَّ حارِسَ الإصلاح الإداري في لبنان : اللامركزية الإدارية جسر عُبور نحو التنمية المُستدامة، يُؤذَى إذا لم يَنَل حقَّهُ ولا غرْوَ في ذلك أن يُقبِلَ المُواطِن على ترديد اسمٍ هادِفٍ طليعيّ في غَمْرَةِ ضياعِ الإصلاح والقوانين وأصُول الحُكمِ في بلدٍ حضاريّ فَكَّت أبجديَّتُهُ عُقَدَ ألسُن العالَم.»
وتابع: «مَنْ نتكلَّم عليه اليوم ونصوغُ فيه ونشهَدُ له فهو الصَّدق الذي رفَعَ بِسَعَةِ مَعرِفَتِهِ وقُدرَتِهِ شَرَفَ الخِدمَةَ إلى مناطِها العَالي، كما دَعَتني الرَّغبَةُ مع لجنة رُوَّاد من لبنان أن نلتقي مع رَجُل الإصلاح المُؤلَّف الدكتور بول الحامض ونُخبَةٍ من كِبار لبنان أهل القانون ومُحارِبي الفساد بِحُضورِ صَاحِبِ الرعاية مدير عام الأمن اللواء حسن شقير، وهُنا أُشير إلى تكريمِهِ في نهاية حفلنا هذا، ونِعْمَ النَّزاهةُ تُكرَّم على وَقْعِ الإصلاح يا صاحِبَ اللواء العزيز.»
وأضاف:«في لقائِنا اليوم الذي يُعالِجُ ما أصابَ الإصلاح الإداري من تقصيرٍ ومُعاناة وعدم عَمَلٍ بجِدِّيةٍ في التشريع حتى بات كِيانًا أجْوَفَ بعيدًا عن الدِّراية والعقل. وفي هذا السِّياق جَدَّ الفِكْرُ في كتاب الدكتور بول الحامض، يطرَحُ المُؤلِّفُ رؤيةً علميَّةً مُفادُها استراتيجيَّةٌ شامِلَةٌ للإصلاح الإداري في لبنان. هذا الذي دَفَعَنا لتكريم الكتاب وصَاحِبِه تقومُ على التكامُلِ بين المركزية واللامركزية كمدخلٍ لتحقيقِ التنمية المُستدامة على وَقْعِ الثقافة العلميَّة وهيكَلَةِ مُؤسَّسات الدولة بالشفافيَّة والمُسائلة التي تستنِدُ إلى تجارِبَ دُوَليَّة وخِياراتٍ حضاريَّة تُعيدُ للإنسان تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.»
وأشار إلى أنَّ: «الدكتور بول الحامض رجُلٌ عارِفٌ وقادِرٌ وداعِيَةٌ للعمل بكفاءةٍ عالية على ثقافةٍ رؤيويَّة تخدُمُ الوطن وبناء الدولةِ بعيدًا عن الفوضى والإرتجال، قريبٌ من الموضوعيَّةِ والعقلانيَّة والتخطيط العلميّ.»
وختم:«نحنُ، في لجنة رُوَّاد من لبنان، عَرَفْنا قيمة الكتاب باعتبارِهِ معركة للوعي الوطنيّ تُؤمِنُ بأنَّ الإصلاح الإداري مَدخَلٌ إلزاميّ إلى دولة الإصلاح والقانون والسِّيادة وصَوت العدالة. وقد لَفَتَني في كلام الإعلاميَّة مريم بيضون، نحن نعتَبِرُها أيقونة رُوَّاد من لبنان الدِّقة في المُقدِّمة لا سِيَّما في عَظَمَةِ الكتاب الذي آمَنَ مُؤلِّفُهُ بالإصلاح رسالةً ومَسارًا وبعض عَقْل وبُعدًا عن الطائفيَّة ووعيًا مُجتمعيًّا واعتمادًا على الكفاءة ومُواكَبة تحدِّيات العصر وغير ذلك. دكتور بول، سَلِمَتْ يداك ونحنُ معك في كل ما ترتئي قضيَّة الإصلاح، وترتئي الدولة اللبنانيَّة والوطن والمُواطِن.»

الصايغ
وأكَّدَ النائب الدكتور سليم الصايغ في كلمته أنَّ كتاب الدكتور بول الحامض يُشكِّل محاولة جدِّية وعميقة في مُقاربة اللامركزية الإدارية كمدخل للتنمية، لافِتًا إلى أنَّ هذا الموضوع يتجاوز البُعد التقني والإجرائي ليطال إحدى الركائز الأساسيَّة في النظام السياسي اللبناني كما أُُعيدَ التأكيد عليها في اتفاق الطَّائف، حيث نَصَّت مُقدِّمة الدستور على اعتماد اللامركزية الإدارية المُوسَّعة.
وأشار إلى أنَّ نجاح هذا الخيار يتطلَّب توافر كوادر إدارية مُدرَّبة وقدرة تنفيذيَّة فعليَّة، إلى جانب تعزيز دور البلديات وتمكينها، وتوفير الموارد الماليَّة الكافية، ولا سيَّما في بُعدها اللامركزي المالي. كما شدَّدَ على ضرورة وضوح توزيع الأدوار والصلاحيَّات بين المستويات الإداريَّة المختلفة منعًا لتضارُب القرارات، وتهيئة بيئة سياسيَّة غير زبائنيَّة، بما يضمن عدم إعادة إنتاج الزبائنيَّة على المستوى المحلي.

بارود
بدوره استذْكَرَ الوزير الأسبق زياد بارود، الرئيس اللواء فؤاد شهاب، مُتسائِلًا عمَّا كان سيقوله إذا قرأ عنوان الكتاب بعد أكثر من سبعة عقود على إصلاح المُستحيل مُشيرًا إلى أنَّه لولا اتِّساع دائرة معارف الدكتور الحامض ونشاطاته وخبراته السياسيَّة والإقتصاديَّة والإجتماعيَّة لما كان هذا الكتاب المُترامي الموضوعات.
وأشار إلى أنَّ العمل يُشَكِّل إضافة نوعيَّة للمكتبة الإصلاحيَّة، مُقدِّمًا رؤية استراتيجيَّة شامِلة قائمة على مقاربات علميَّة واستفادة من تجارب دوليَّة.
وأوضَحَ أنَّ الكتاب يَضُمّ مُؤلَّفات مُتعدِّدة في مُجلَّد واحد، مُتناولًا السِّياق السياسي اللبناني وأزماته، والدولة المدنيَّة، والمركزيَّة واللامركزيَّة، ودور البلديات، والتنمية المُستدامة، والتكامُل بين البيئة والصحة والتربية والثقافة والإعلام، بما يعكس قراءة مُترابطة للتأثيرات المُتبادلة بين هذه القطاعات.
وأشاد بارود بتركيز المُؤلِّف على البلديات بوصفها الخليَّة الأساسيَّة في التجربة اللامركزيَّة، مُشيرًا إلى أنَّ الإشكاليَّة تكمُن غالبًا في التمويل والصلاحيَّات الفعليَّة، لا في القانون نفسه، حيث يتم منح الصلاحيات نظريًّا وتقييدها عمليًّا أحيانًا، مع وجود رقابة إداريَّة مُشدَّدة تُعيق العمل.
وأكَّدَ أنَّ اتفاق الطائف نصَّ على اللامركزيَّة الإداريَّة المُوسَّعة، وأنَّ تطوير هذا المسار يحتاج تعديل القوانين ذات الصِّلة، لكن العائق الأبرز يكمُن في غياب الإرادة السياسيَّة الكافية.
وخَتَمَ بارود بالتأكيد أنَّ اللامركزيَّة رُكن أساسي للإصلاح الإداري وجسر نحو التنمية المُستدامة، مُعرِبًا عن أمله في تحويل أفكار الكتاب إلى قوانين وإجراءات تنفيذيَّة تخدُم مسار الإصلاح المُؤسَّسي في لبنان.

اسحق
من جهتها، أكَّدت رئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء البروفسور هيام إسحق أنَّ:«الإصلاح الإداري يُشكِّل مدخلًا محوريًّا لبناء دولة عادلة وقادرة على تحقيق التنمية المُستدامة». واعتبرت أنَّ كتاب الدكتور بول الحامض يُقدِّم مقاربة علميَّة رصينة لمعالجة أحد أكثر الملفات إلحاحًا في لبنان، والمُتمثِّل في إعادة هيكلة الدولة وتعزيز قدرتها على الإستمرار والنهوض.
وأشارت إلى أنَّ أهمية الكتاب تكمُن في مقاربته الإصلاح ضمن إطار وطني وإنساني مُتكامِل، بوصفه مسارًا يتجاوز الأبعاد الإقتصادية إلى الإستثمار في الإنسان، وترسيخ ثقافة المُواطنة والمُساءلة والمُشاركة.
وشدَّدت على أنَّ أي إصلاح فعلي يبقى منقوصًا ما لم يرتكز إلى مسار تربوي مُتكامِل، لافتةً إلى أنَّ التعليم هو الأساس في إعداد مواطن واعٍ يمتلك مهارات التفكير النقدي وروح المُبادرة وتحمُّل المسؤوليَّة. وأوضَحَت أنَّ تحديث المناهج يستهدف تنمية الكفايات الجوهريَّة لدى المُتعلّمين، وتعزيز قِيَم الديمقراطيَّة والعدالة والإنتماء والشُّمول، بما يكفَل توفير تعليم نوعي عادِل ومُتوازن لجميع أبناء المجتمع.
وأكَّدَت أنَّ تحديث البرامج التعليميَّة وتنمية مهارات الطلاب — من التفكير التحليلي والإبداعي إلى الكفايات الرقميَّة وروح العمل الجماعي — يُشكِّل قاعدة أساسية لإعداد مواطن مُنتِج ومُدرِك لدوره في المجتمع. واعتبرت أنَّ المسار التربوي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإصلاح الإداري، إذ إنَّ اعتماد اللامركزية من شأنه تعزيز تكافؤ الفرص، وتحسين نوعيَّة التعليم، والتخفيف من التباينات الإجتماعيَّة والمناطقيَّة.
وشدَّدت على أنَّ التخطيط السليم، والمحاسبة الفاعِلة، وانسجام السياسات العامة تُشكِّل مُجتمعةً الدعامة لأي نهوض تربوي طويل الأمد.
كما أشارت إلى الدور المحوري للامركزية في تمكين المناطق وتطوير الأداء التربوي ومعالجة الاختلالات القائمة، مُؤكِّدةً أنَّ إصلاح التعليم ينبغي أن يندرج ضمن رؤية وطنية متكاملة تضع الإنسان في صُلب الخيارات والسياسات.
وكشفت أنَّ العمل على الجزء الثالث من تطوير المناهج — وهو الأول منذ التحديث الذي أُنجز عام 1997 — قد استُكمل، على أن يُرفَع قريبًا إلى وزيرة التربية تمهيدًا لإحالته إلى مجلس الوزراء.
واختتمت مُثنيةً على الجهد العلمي الذي يبذله الكتاب، مُعتبرةً أنَّ الندوة شكَّلَت مساحة حوار بنَّاء في مرحلة تشتدّ فيها الحاجة إلى فكر مُتَّزِن، ورؤية واضحة، وإرادة إصلاحية صادقة، يكون الإنسان والتعليم محورها الأساس.

بيار الخوري
تحت عنوان «الإصلاح الإداري في زمن الرقمنة: من القوانين إلى البنية التي تُنشئ الثقة»، تحدَّثَ عميد كلية الحقوق والعلوم السياسيَّة في جامعة سيِّدة اللويزة (NDU) الدكتور بيار الخوري، مُعتبرًا أنَّّ هذا اللقاء «يضع الإصلاح الإداري في موقعه الطبيعي بين الفكر وصُنع القرار». وأوضح أنَّ إطلاق كتاب حول الإصلاح الإداري في هذه المرحلة الدقيقة «ليس مناسبة ثقافية عابِرة، بل فعلًا وطنيًا في لحظة تحتاج فيها الدولة إلى ترميم ثقتها بذاتها وبمواطنيها»
.
وأكَّدَ أنَّ الإصلاح الإداري لم يعد شأنًا تقنيًّا أو وعدًا مُؤجَّلًا، بل غدا شرطًا من شروط استمراريَّة الدولة. فهو، قبل أن يكون مجموعة نصوص قانونيَّة، خيارٌ سياسيّ واضِح وإرادة راسِخة.
ومن هنا، أشارَ إلى أهميَّة كتاب الدكتور بول الحامض الذي يتناول الإصلاح بوصفه مسارًا مُؤسَّسيًّا تراكميًّا طويل الأمد، يتطلَّب أدوات تنفيذيَّة بقدر ما يستدعي قرارًا حاسِمًا.
وتوقَّفَ عند دور التكنولوجيا، لافِتًا إلى أنَّ إشكالية الإدارة في لبنان لا تكمُن في نقص الكفاءات أو الإمكانات، بل في غياب الإرادة والإطار النَّاظِم. وأوضَحَ أنَّ الرقمنة لا تُصلِح الإدارة بذاتها، لكنَّها ترسُم مسارًا واضِحًا للعمل، وتُثَبِّت الإجراءات، وتجعل المُساءلة مُمكِنة من خلال قابلية التتبُّع، بما يُعزِّز الشفافيَّة والإنضباط المُؤسَّسي.
وأشار إلى أنَّ الحديث عن لامركزية فاعِلة لم يَعُد مُمكِنًا من دون بنية رقمية مُوحَّدة، وهُويَّة رقميَّة مُتكامِلة، وترابط فعلي بين الإدارات. فاللامركزيَّة، إذا افتقرت إلى إصلاح إداري متين، قد تنزلق إلى فوضى تنظيميَّة، أمَّا حين تستند إلى حوكمة رقميَّة رشيدة، فإنَّها تتحوَّل إلى مدخل حقيقي للتنمية المُستدامة وتعزيز المُساءلة.
وختَمَ بالتأكيد أنَّ الإصلاح الجاد يبدأ من بُنى تحتية مُؤسَّسيَّة راسِخة لا رجعة عنها، مُشدِّدًا على أنَّ التكنولوجيا ليست بديلًا من القانون، بل وسيلة لحمايته وتفعيل أحكامه، وهي وإن لم تُنشئ الإرادة السياسيَّة، إلا أنَّها تصبح عمودها الفقري متى توفَّرت هذه الإرادة.

الحامض
أمَّا المُؤلِّف فاستهلّ كلامه بتوجيه الشُّكر إلى راعي الإحتفال اللواء حسن شقير، مُنوِّهًا «بدوره في تحديث الإدارة وتطوير العمل المُؤسَّسي وخدمة الصالح العام» كما شكر المُتحدّثين المُشاركين على طروحاتِهِم العلميَّة التي أغْنَت النقاش حول الإصلاح الإداري والحوكمة واللامركزيَّة، إضافةً إلى لجنة “رُوَّاد من لبنان” ومن ساهم في تنظيم وإنجاح المُناسبة.
وأشار إلى أنَّ:«هذا اللقاء يُشكِّل مساحة حوار جدّي حول سؤال أساسي: كيف نُعيد بناء الدولة في لبنان؟ مُؤكِّداً أنَّ المرحلة الرَّاهِنة، بما تحمله من أزمات مُتراكمة، تتطلَّب الإنتقال من توصيف المشاكل إلى وضع خطط واضِحة قابِلة للتنفيذ»
وأوضَحَ أنَّ:«الإصلاح الإداري وتحديث الإدارة العامة، واعتماد اللامركزيَّة الإداريَّة، يُشكِّلان مدخلاً أساسيًّا لبناء دولة فاعِلة. فاللامركزيَّة، لا تعني تفكيك الدولة، بل تنظيم أفضل للصلاحيات بين مركز قوي وسلطات محليَّة فاعِلة، بما يُعزِّز التنمية المُتوازنة ويُعيد الثقة بين المواطن ومُؤسَّساته» مُشدِّدا على أهميَّة ترسيخ مفهوم المُواطنة وبناء دولة المُؤسَّسات القائِمة على الشَّفافيَّة والمُساءلة وتكافؤ الفُرَص، لأنَّ الدولة الحديثة تُدار بالأنظمة والمعايير لا بالأشخاص والمحسوبيَّات».
وختم مُؤكِّدًا أنَّ:«تجربة الأمن العام في التحوُّل الرقميّ وتبسيط الإجراءات تُمثِّل نموذجًا عمليًّا على إمكانيَّة الإصلاح حين تتوافر الإرادة والرؤية، داعِيًا إلى الإنتقال من ثقافة الوعود إلى ثقافة التنفيذ، لأنَّ لبنان يُبنى بإدارة حديثة ومُؤسَّسات قويَّة ومُحاسبة واضِحة»

شقير
وقد أعرَبَ المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير عن تقديره للمستوى الرفيع الذي اتَّسَمَ به النقاش في الندوة الفكرية المُخصَّصة لإطلاق كتاب الدكتور بول الحامض حول الإصلاح الإداري واللامركزيَّة الإداريَّة، مُشيرًا إلى أنَّ مُشاركة أكاديميّين ومُفكِّرين وخُبراء من مجالات القانون والتكنولوجيا والتربية رفعت مستوى الطَّرح، ووضعت موضوع الإصلاح ضمن أُطُر علميَّة ومُؤسَّسيَّة مُتكامِلة.
وأكَّدَ اللواء شقير أنَّ الإصلاح الإداري واللامركزيَّة الإداريَّة يُشكِّلان محورًا أساسيًّا في مسيرة بناء الدولة الحديثة، ويُمثِّلان جسر عُبور نحو التنمية المُستدامة، مُشدِّدًا على أنَّ هذه المُبادرات الفكريَّة تُسهِم في إغناء النقاش الوطنيّ وتعزيز مسار دولة المُؤسَّسات.
وتوجَّه اللواء شقير بإسم المديريَّة العامة للأمن العام وبإسمِه الشخصي بعبارات التقدير إلى القيِّمين على هذه المُبادرة، وإلى المُؤلِّف الدكتور بول الحامض على جهده العلمي، الذي يُساهِم في إغناء النقاش الوطنيّ حول مستقبل الإدارة العامة في لبنان، وإلى الجهات المُنظِّمة على دورها في ترسيخ ثقافة الحوار والإصلاح».
وأوضَحَ أن الإصلاح الإداري بات شرطًا أساسيًا لبناء مُؤسَّسات حديثة قائمة على الحوكمة الرشيدة والشفافية والمُساءلة والكفاءة، مُعتبرًا أنَّ الإدارة الفاعِلة لا تقتصر على الدور التنفيذي، بل تُشكِّل ركيزة ثقة المواطن بالدولة ومدخلًا لأي نهوض إقتصادي وإجتماعي مُستدام.
ولَفَتَ إلى أنَّ اللامركزيَّة الإداريَّة تُمثِّل أداة محوريَّة لتحقيق الإنماء المُتوازن، وتمكين الإدارات المحليَّة، وتقريب الخدمات من المواطنين، بما يُعزِّز العدالة المناطقيَّة والإنتماء الوطنيّ.
وشدَّدَ على أنَّ الطمأنينة الوطنيَّة لا تتحقَّق على حساب حقوق أي فئة، بل من خلال دولة عادِلة ومُؤسَّسات فاعِلة وقُبول مُتبادل بين الشركاء في الوطن، في ظِلّ مرجعيَّة الدستور ووثيقة الوفاق الوطني التي أكَّدَت بوضوح مسار الإصلاح الإداري واعتماد اللامركزيَّة المُوسَّعة.
وأشار إلى أنَّ التوجهات الدستورية الراهنة، كما وردت في خطاب القسم والبيان الوزاري، تُؤكِّد الإلتزام بتطبيق الدستور واستكمال مسار بناء الدولة الحديثة، مُعتبرًا أنَّ الإرادة الوطنيَّة الجامِعة يجب أن تُتَرجَم تشريعيًّا وتنفيذيًّا عبر مُؤسَّسات الدولة ومجلس النواب.
وتوقَّف اللواء شقير عند العلاقة بين الإصلاح السياسي والإصلاح الإداري، مُعتبرًا أنَّ الإصلاح السياسي يُشكِّل قاعدة أساسيَّة لأيّ إصلاح إداري فعلي، وأنَّ قانون انتخاب عادل يُحقِّق صِحَّة التمثيل يُشكِّل مدخلًا لإنتاج طبقة سياسيَّة قادرة على حماية مسار الإصلاح داخل المُؤسَّسات.
وأكَّدَ أنَّ المديريَّة العامة للأمن العام تلتزم، انطلاقًا من مُسؤوليَّتها الوطنيَّة، بأن تكون شريكًا فاعِلًا في مسار الإصلاح، من خلال اعتماد مبادئ الحوكمة وتحديث الأداء المُؤسَّسي وتطوير الخدمات. وكَشَفَ عن إطلاق مسار متكامل للتحوُّل الرقميّ يهدُف إلى تمكين المواطن من إنجاز معاملاته بكرامة وسهولة، عبر مِنَصَّة رقميَّة للخدمات تُطلَق قريبًا، مُموَّلة بهبة خارجيَّة، تُتيح للبنانيين والمُقيمين الشرعيّين إنجاز معظم معاملاتهم إلكترونيًّا دون الحاجة إلى الحُضور الشخصي إلَّا عند الضرورة البيومترية.
وأوضَحَ أنَّ هذه الخطوات تهدُف إلى تقليل الإحتكاك الإداري المُباشر والحدّ من فُرَص الفساد، وتسريع إنجاز المُعاملات، وتعزيز الشَّفافية. كما أشار إلى تحديث مراكز الأمن العام والمباني الحدوديَّة، وتطوير الأنظمة الإلكترونيَّة، واعتماد جواز سفر حديث وفق أعلى المُواصفات التقنيَّة، بعد مُناقصات أُجرِيَت وِفق قانون الشِّراء العام وحقَّقَت وفرًا ماليًّا للدولة.
وأضاف أنَّ تحديث البُنى الإداريَّة والتقنيَّة ترافَقَ مع تعزيز الموارد البشريَّة عبر تطويع عناصر جُدُد بقرار من مجلس الوزراء، بما يُسهِم في ضبط المعابِر الشرعيَّة وتنظيم أوضاع الإقامة والعمل وفق القوانين اللبنانيَّة.
ولَفَتَ إلى أنَّ اعتماد آليَّات ماليَّة مُنظَّمة وخاضِعة للرقابة أسْهَمَ في تسريع التحديث الإداري وتحسين أوضاع العناصر، بما ينعكس جودة في الخدمة العامة. وأكَّدَ أنَّ التحوُّل الرقميّ لم يَعُد خيارًا تقنيًّا فقط، بل ركيزة في بناء إدارة عصريَّة تُعزِّز الثقة بين المواطن والمُؤسَّسات.
وخَتَمَ اللواء شقير بالتأكيد أنَّ الأمن العام، إلى جانب دوره الأمني، هو مُؤسَّسة في خدمة الإنسان، تعمل على ترسيخ مفهوم الإدارة الحديثة القائمة على الكفاءة والمسؤولية، مُعتبرًا أنَّ الإصلاح مسار مُستمرّ يتطلَّب إرادة صادِقة وتعاونًا بين مختلف مُؤسَّسات الدولة وقواها الحيَّة. كما هنَّأ المُؤلِّف الدكتور بول الحامض على كتابه، مُعلِنًا اعتماد هذا المرجع ضمن مسار التخطيط والتطوير في الأمن العام وتعميمه على المسؤولين المعنيّين، لما يُشكِّله من أداة مُساعدة في تطوير الإدارة والمُحاسبة والمُتابعة.
وخَتَمَ شاكِرًا الجهات الدَّاعية والمُنظِّمة والمُتحدّثين، ومقدّرًا جهود الإعلاميَّة مريم بيضون التنظيميَّة واهتمامها ونشاطها، ومُؤكِّدًا التزام العمل من أجل دولة قوية عادِلة، وخدمة لبنان واللبنانيين.
وفي خِتام الإحتفال، كرَّمَت لجنة “رُوَّاد من لبنان” سعادة اللواء حسن شقير، برئاسة الدكتور ميشال كعدي، وبحضور نائب الرئيس الإعلامية مريم بيضون، ومديرة لجنة العلاقات العامة الدكتورة مفيدة عابد، والدكتور بول الحامض رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، تقديرًا لجهوده الوطنيَّة في تطوير العمل المُؤسَّسي وتعزيز مفاهيم الإدارة الحديثة، ودوره الريادي في ترسيخ قيم الإنضباط والكفاءة في المديريَّة العامة للأمن العام.
وألقى الدكتور ميشال كعدي كلمة تكريميَّة بالمُناسبة قال فيها:«يومَ قُدِّرَ لنا أن نكون في الوجود، نحنُ اللبنانيين، كان نصيبُنا من الدُّنيا اليراعة والقَلَمُ والأمن والمِساحة الواسِعة للأخلاق والحقيقة.»
وأضاف:«في هذه الليلة وفي هذا التكريم احتوتني على ندرة الوقت أن أتكلَّمَ على رائِدٍ إصلاحيّ امتازَ بأخلاقٍ استلَّّها من نِياطِ قلبيّ والِدَيْه وبادَلَهُما المحبَّة المُثلى مِن نَبْضِ عُروقِهِ وقَدْ عُرِفَ عَنهُما التربيَّة المِثاليَّة والوطنيَّة الكامِلة وهذا النموذج. ذلك اللواء حسن شقير مدير عام الأمن العام، هذا اللبنانيّ المَحتِدْ مُؤمِنٌ بالإصلاحِ واللامركزيَّة الإداريَّة كما سَمِعتُم يُطبِّقُها في مُؤسَّسَةِ الأمن العام فَجَعَلَها قُدوَةً لبنانيَّةً للمصلحةِ العامَّة وتعزيزًا لإصلاحِ الإدارة التي يُولِمُ لها في انكِبَابٍ عَجَبٍ من إرادتِهِ وأسلاكِ بَصَرِهِ وبصيرَتِهِ وفعاليَّة فأنْتَ بالرِّسالَةِ والشَّغَفُ بالرِّسالة.»

وتابع:« فيا يَدَ الغَازِلة، والنَحْلَةَ العاسِلة، ما أنْتَ بالعَجْلانِ لِنَيْلَ مَثوبَة ورصيدُك الشأنُ العام والأمنُ العام وزَهْوُ الريقاع اللبناني. بِاسمَ لجنَةِ الرُوَّاد نقولُ لكَ مَبروكٌ هذا التكريم.»
كما أهداه للواء قصيدة من أربعة أبيات جاء فيها:
«فالحَقُّ نَهْجُكَ والعدالَةُ والوَفا والوُدُّ شأنٌ بيمينِكَ المأمورُ
والوعْدُ في أبعادِ صَدرِكَ يعتلي أبعادَهُ ويُقالُ فيكَ صَبورُ
يومَ تمادى فيه سَبرُكَ وارتقى قِيَمَ الإباءُ ومَن سِواكَ قَديرُ
قد بايَعَتْكَ أمانَةُ العَهْدِ الرِّضا بالسَّيْف، بالحُبّ، بالقَدّ، بايَعوكَ على الأمْنِ جهيرا»
واختُتِمَت المُناسبة بتوقيع المُؤلِّف لِكتابه، ومِن ثمّ كوكتيل على شرف الحضور، في أجواءٍ عَكَسَت صورةً حضارية عن لبنان الفكر والحوار، وأكَّدَت أنَّ مسار الإصلاح، مهما طال، يظَلّ مُمكِنًا متى اقترن بإرادة صادِقة، ورؤية واضِحة، وتكامُلٍ بنَّاء بين الطَّاقات الوطنيَّة والمُؤسَّسات الرسميَّة، خدمةً للوطن وصونًا لمستقبله.

