في واحدة من أكثر القضايا غرابة وإحراجًا في تاريخ السياسة اللبنانية، تكشّفت فصول ملف “أبو عمر” الذي تحوّل من مزحة عابرة إلى فضيحة مدوّية طاولت شخصيات سياسية ونيابية بارزة، وطرحت علامات استفهام كبرى حول مفهوم السيادة، وآليات القرار، ومستوى الوعي السياسي في البلاد.

القضية، بحسب المعطيات المتداولة، تتعلق بشخص من شمال لبنان يعمل حدّادًا، امتلك قدرة لافتة على تقليد الأصوات واللهجات، ولا سيما اللهجة السعودية، بالتنسيق مع أحد رجال الدين. هذا الثنائي استغلّ ثغرات خطيرة في المشهد السياسي، فحصل على رقم سعودي وبدأ بإجراء اتصالات مع سياسيين لبنانيين من مختلف الطوائف والانتماءات، منتحلًا صفة رجل أمني رفيع في الديوان الملكي السعودي، من دون أي علم أو تنسيق مع الجهات الرسمية في المملكة.

ما بدأ على سبيل “المزاح” سرعان ما تحوّل إلى عملية منظمة، حيث جرى استدراج سياسيين عبر وعود بالرضى والدعم السياسي، وطلب تغيير مواقف، وتأمين خدمات، وصولًا إلى تحصيل مبالغ مالية ضخمة قُدّرت بمئات آلاف الدولارات، وفي بعض الحالات تجاوزت المليون دولار، مقابل وعود بلقاءات رسمية أو دعم سياسي مزعوم.

اللافت أن الاتصالات شملت طيفًا واسعًا من السياسيين، من دون استثناء طائفي، باستثناء حزب الله، وأن نسبة كبيرة من المتواصل معهم أبدت تجاوبًا لافتًا، ما جعل الطلبات تتحوّل إلى ما يشبه “الأوامر”. الأخطر أن تداعيات هذه الاتصالات تجاوزت المال، لتطال مسار الاستحقاقات السياسية، حيث تشير المعلومات إلى أن الملف ساهم في إسقاط أسماء كانت مطروحة لرئاسة الحكومة، وأثّر على خيارات بعض النواب في الاستشارات النيابية.

في المقابل، برزت حالات محدودة أبدت حذرًا وشكّكت في الرواية، ما ساهم في كشف الخيط الأول للقضية، بعد التحقق عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية. ومع توقيف “أبو عمر” وبدء التحقيقات، تبيّن وجود تسجيلات صوتية واضحة واحترافية توثّق المحادثات مع عدد من السياسيين، ما يفتح الباب أمام احتمالات تسريب قد تشكّل “جرس إنذار” سياسي وإعلامي غير مسبوق.

لكن، وعلى الرغم من خطورة الوقائع، ثمة تشكيك واسع في أن تأخذ التحقيقات مسارها القانوني الكامل، نظرًا لحجم الإحراج الذي قد يطال شريحة واسعة من الطبقة السياسية، ولأن الفضيحة لا تطال أفرادًا فقط، بل تكشف هشاشة الخطاب السيادي، وسقوط ادّعاءات الاستقلالية، حين ينقاد مسؤولون خلف اتصال هاتفي موهوم.

في الخلاصة، ملف “أبو عمر” ليس مجرد قضية احتيال، بل مرآة فاضحة لواقع سياسي مأزوم، حيث تُدار المواقف بالهاتف، وتُشترى القرارات بالوهم، وتسقط السيادة عند أول رنين. فضيحة مفتوحة على كل الاحتمالات، بانتظار ما ستكشفه الأيام: طمسٌ للحقيقة أم انفجار تسجيلات قد يغيّر قواعد اللعبة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *